14 - 05 - 2026

مؤشرات | وقف "عبد المنان".. متى ترتاح أجيال في قبورها وأخرى لم تولد بعد!

مؤشرات | وقف

قبل أكثر من 40 عاماً أو يزيد، قال لي أحد أقاربي المقربين جداً من العائلة، ووالده من أصول تركية، (سنرث آلاف الأفدنة عن قريب)، وروي لي القصة، والتي تتلخص في أنه انضم إلى دعوى قضائية لأفراد من عائلته لأبيه وأجداده، للمطالبة بآلاف الأفدنة التي كانت ملكاَ وقفاَ لأجداده.

ونصحته وقتها بأن مثل هذا المسائل ليست سهلة، خاصة البحث عن ميراث مر عليه عشرات بل مئات السنين، وبعد متغيرات كثيرة، ووجود آلاف العائلات التي تعيش على هذه الأرض، ومئات الألاف من الوحدات السكنية، وتعدد الورثة على الأراضي الزراعية، ووجود مصانع وشركات على أجزاء من تلك الأرض.

طبعاً لم يلتفت ابن عمتي إلى كلامي، وسار وراء من زرع فيهم أمل من سراب، وأنفقوا عشرات الألاف من الجنيهات، وظهرت طبعاً هيئة الأوقاف في الطريق، باعتبارها لها الولاية على أراضي وقف الباشوات والأمراء والبكوات، وعلى مر السنوات تسربت الآمال، وجاءت الحجج لتتضارب مع الواقع، وخسر الجميع القضايا وضاعت عشرات الآلاف من الجنيهات، وربما مئات الآلاف في سنوات التقاضي، والتي ربما هي مستمرة حتى اللحظة.

تذكرت تلك الواقعة، وأنا أتابع قصة وقف الأمير مصطفى عبد المنان، في محافظات كفر الشيح والمنصورة ودمياط، وقصة حق الأوقاف في 421 ألف فدان، أي 1800 كيلومتر مربع من أراضي الدولة المصرية.

وجالت برأسي عشرات الأسئلة، وأنا اقرأ التحقيق المعلوماتي، والذي كتبه الزميل الصحفي المتميز والصديق محمد بصل على صفحات جريدة "الشروق"، عن هذا الملف، خاصة أن السادة في وزارة الأوقاف في هذا الزمن ليس لهم اهتمام سوى جمع الأموال، بغض النظر عن تأثير وسائلهم في الضرر بمصالح الناس، والأمن والاستقرار الاجتماعي، رغم أنه ربما يكون لهم حقوق.. وقضية زيادة الإيجارات الزراعية ومضاعفة قيمتها خير مثال على سوء ما يفعلون.

ويبدو أن هيئة الأوقاف "فلوسها" التي تجنيها من المزارعين والمستأجرين كثيرة، فقد أقامت عشرات القضايا، وتعمل على تنفيذ توجيهات رئيس الوزراء د. مصطفى مدبولي بإجراء حصر شامل ومميكن لجميع أملاك الهيئة وأراضي الوقف، دون دراسة للأبعاد الاجتماعية لأي قرارات، وحصيلة مآسي قراراتها ظاهرة للعيان.

المعلومات التي أوردها تحقيق الزميل محمد بصل، مهمة، خاصة بعد المنشور الفني لمصلحة الشهر العقاري قبل أيام والذي طالب جميع مكاتب المصلحة بإيقاف أي إجراءات أو تعاملات أو تصرفات تتعلق بالأراضي محل "حجة وقف الأمير مصطفى عبد المنان" وضرورة إضافة عبارة تؤكد عدم سريان أي توكيل رسمي عام بالتصرف أو بالإدارة على الأراضي محل ذلك الوقف في المحافظات الثلاث.

ويبدو أن السادة في وزارتي العدل والأوقاف متضامنون لم يدركوا مدى حالة القلق والذعر التي تسببوا فيها بعد هذا المنشور بين مئات الآلاف من أهالي ثلاثة من أكبر محافظات مصر سكاناً خاصة من بين فلاحي ومزارعي هذه المحافظات، والقاطنين على سواحلها.

ولاشك أن صدور منشور مصلحة الشهر العقاري، وما تبعه من تداعيات، جاء دون بحث مسبق لما سيترتب عليه من قلق وجدل، بل الأخطر أن حالة الجدل، لم يلتفت إليها أحد حتى اللحظة، وبالفعل لم أقرأ توضيحاً لمرحلة ما بعد الجدل، ولتهدئة الرأي العام، وخصوصاً بين أهالي المناطق التي تقع فيها الأراضي، محل الجدل والتي تمثل حوالي 0.18% من مساحة مصر، ونحو 12% من مساحة الأراضي الزراعية بمنطقة الدلتا ومحافظاتها.

الغريب في الأمر أنه ووفق ما هو متوفر من معلومات أن كافة الأحكام القضائية حتى الآن لم تحسم النزاع لصالح وزارة الأوقاف، فالقضايا المتداولة من عشرات السنين، أثبتت حق المواطنين والمؤسسات الحكومية في الأراضي، التي يقال إنها وقف من 400 سنة (أربعة قرون).

وما استندت إليه وزارة الأوقاف مؤخرا في إثارة هذه البلبلة، اعتراضها على إعلان، محافظة دمياط إجراء مزاد علني كان مقررًا له الاثنين الماضي (11 مايو  2026) لبيع 57 وحدة سكنية، بحجة أن تلك الوحدات تدخل ضمن نطاق الوقف.

وصحيح أنه صدر حكم مستعجل من محكمة بدمياط، لصالح الأوقاف بالفعل بعدما قدمت للمحكمة صورة من مكاتبة صادرة من الشهر العقاري بأنها وحدها التي تتولى نظارة الوقف، وصورة أخرى من قرار مجلس الوزراء بشأن تشكيل لجنة لحصر أراضي الوقف، وبناء عليه خاطبت وزارة العدل لإصدار منشور الشهر العقاري الذي اثار حالة الجدل الراهنة.

ولكن هذا الملف مازال غامضاً جداً جداً في ظل وجود كثير من الأحكام القضائية السابقة بشأن هذا الوقف، الذي مازال مجهولاً لكثير من الجهات، خصوصاٌ مع وجود أدلة من عام 2004، وحتى 2025، توضح كلها خلو الوقف من أوراق ثبوتية خالصة، وأن الأمر برمته جدل قانوني، في وقت مازال الباب مفتوحاً أمام الطعون والمعارضة في حكم محكمة دمياط الأخير.

الغريب في الأمر أن نزاع وقف الأمير مصطفي عبد المنان، المجهول للكثيرين، هو نزاع حكومي حكومي، وآلاف المواطنين طرف فيه، وصدرت بشأن بعض أراضي هذا الوقف المثير للجدل قرارات من رئاسة الوزراء لإقامة مشروعات قومية على بعض من أراضيه، مثل ميناء دمياط، ومدينة دمياط الجديدة، والعديد من المشروعات السكنية والسياحية، ومشروعات أخرى صدر بشأنها قرارات من هيئة المجتمعات العمرانية، ومحافظي المحافظات الثلاث.

والأمر الغريب الآخر أن منشور الشهر العقاري ليس الأول من نوعه، فقد سبق أن صدر العديد منه، مع كل إعلان عن مشروع صغير أو كبير في مناطق أراضي "وقف عبدالمنان"، ويصبح المواطنون هم الضحايا الأوائل في نزاع بين أطراف حكومية، .. فهل سيظل هذا النزاع لأربعة قرون أخرى ليتم حسمه، لترتاح أجيال في قبورها، وأجيال لم تولد بعد؟!
--------------------------------------
بقلم: محمود الحضري


مقالات اخرى للكاتب

مؤشرات | وقف